على رصيف الكلية
في صيف عام 1416 ، كان الجو حار الى حد الأختناق ، أجتمعنا مثل سرب الجراد أمام مكتب شؤون الطلبة بكلية الطب في جامعة الملك سعود . وكنا نتتظر الأوامر لتوزيعنا على قاعات أمتحان القبول، خرج احد الموظفين ، وقام بتوزيعنا على قاعات الكلية لنقوم بأختبار القدرات ، كان الاختبار صعب وعشوائي. كان عدد المتقدمين 500 طالب كلنا حاصلين على الامتياز في الثانوية وتم قبول 100 طالب بالتفاضل، ولكم أن تعلموا قرائي الأعزاء أنني لم أكن من المقبولين فاضطررت الى دخول كلية الصيدلة لسنة دراسية ، رجعت بعدها للكلية مرة أخرى.
أتذكر بعض الطلبة الذين أصبحوا زملاء للعشر سنوات الماضية في نفس قاعة الاختبار، أتذكر هاني وهو شاب أكتسى وجهه بالحمرة وشعره بالشقرة ، ولبس نظارة شمسية تغطي عيناه، كنت اتسأئل هل يكون لي حق القبول أم هذا الذي ليس من ابناء الوطن؟ ثم تمر السنين ليكون هو من أغلى الاصحاب وأكتشف أنه من صلب الوطن وقعر الدار. ثم أعارك الحياة وأخالط الناس حتى أعلم أن الرجال لا يعرفون بأوطانهم ولا بأبائهم و لا بأشكالهم ولكن بمن هم، بأخلاقهم ، بتواضعهم ، بصدقهم.
أخبرت هاني مرة عن تلك الافكار التي دارت بمخيلة خريج الثانوية الغر، فضحكنا معا على تلك الايام. كانت المرة الأولى التي لبست فيها البالطو الابيض في عام 1416 هـ في كلية العلوم في مادة الحيوان ، والمقصود أسم المادة بالطبع، وهي تختص بتركيب الحيوانات وفسيلوجية الجسم. كان الاستاذ من أخواننا العرب الذي لا يجيدون اللغة الانجليزية و لاملام عليه فيه ذلك، ولكنه أراد الابداع في غير محله فكتب مذكرة في هذا العلم المعقد بطول 300 صفحة جعلها المرجع الأساسي. وهذه المذكرة لا تفهم منها شيء ، فالجملة تبدأ ثم تنقطع فجأة ويبدأ شيء أخر ليس له علاقة وهكذا دواليك. ومع صعوبة المادة كان الزهو الذي نحمله بلبس البالطو يخفف وقعها علينا ، فمع الزهو نكاد نحس أننا نرتفع عن سطح الارض ، فنطير في اروقة كلية العلوم أمام الآخرين.
كان الطلبة من الاقسام الآخرى ينظرون إلينا ككائنات لديها قدرات خارقة "الدوافير" ،
"" حقين الطب "" وكنا لا نمانع ذلك
كنت في السنة الأولى منطوي الى حد ما، ولا زلت أكتسب مهارات التخاطب وتكوين الصداقات، تعرفت على مجموعة من الزملاء وتفرقت عنهم في الفصل الذي يليه. كنت أعتقد أن الفصل الثاني الذي سبق التحويل لكلية الطب هو أصعب المراحل في الحياة لأكتشف أن كل ماتقدم في تلك السنة ، كان غيض من فيض هادر ، سيجرفنا في غياهب لا نعلم نهايتها..
عبدالله
4 أكتوبـر 2006
كتبها فنجان قهوة في 03:19 صباحاً ::
دائما ما تبقى الذكريات الجميلة مغروسة في دروب الحياة ... تضيء كبروق لامعة
استمتعت بالتجوال في هذه المدونة
سعدت بزيارة مدونتك .........وهذه دعوة لزيارة مدونتي المتواضعة
شكرا لك أختي فواغي القاسمي...وابتسام العطيات على تشريفكم للمدونة
فنجان قهوة
مدونتك جميلة جدا و فيها الكثير من الموضوعات الجديرة بتعليقات في المستقبل.
بالنسبة لموضوع كلية الطب, فرغم ان القصة شخصية و ذاتية الى حد كبير لكنني شعرت انني بمتعة كبيرة في قراءتها بسبب احتوائها على ملاحظات تمر مع الكثير من الناس.
دم و اسلم بصديقك
هشام
كنت اقرأ مقالك هذا وأنا أبتسم ...تذكرت تلك السنة ...سنة 1423هـ... تخرجنا والحمدلله بإمتياز مشرف..
عندها فعلت مثلك ..قدمت للطب البشري...
دخلت امتحان القدرات ...
حللت وحللت بصدق وإخلاص ..
ولكن
تفاجأت في نهاية المطاف بقبول كل من معي الفالح والطالح ...
وبقيت أنا الوحيدة ... لم أقبل...
حزنت تقاسيم وجهي... لكن لا اكذب ان قلت ..انه قد ابتسم قلبي...
لأني بحق لم أقدم إلا رغبة لارضاء والدي الذي اردني طبيبة ..
لكن الله أبدلني بقسم خير من الطب..
فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..
وأعتذر على الإطالة
لكنها مشاعر فاضت في داخلي عند قرائتي لمقالك ..
دمت بخير
الفجر الصادق
أخي الكريم هشام..
شكرا للزيارة... هذه المقالة كنت أخطط لها لتكون بداية لسلسة أتحدث فيها عن محطات العمر المهمة ، ليس لقناعتي أن حياتي تستحق النشر للعامة ولكن حسبت أن نشر ذلك هو نوع من المكاشفة..للاصدقاء والاحباء ليطلعوا على جانب أخر من شخصيتي...ولكن لعدم وجود الوقت أو الدافع القوي للأستمرار لم أكمل...
أشكر لك الزيارة والتعليق...وأتمنى أن يستمر التواصل فأنا معجب بكتاباتك لصراحتك المتناهية...وأسلوبك الساخر...
اختي الكريمة الفجر الصادق...
لا يعلم الانسان أين يكتب له الخير...
بصراحة الطب ليس فيه ميزة وظيفية أو مادية..ولكن فيه ميزات أخرى كالعائد المعنوي ، الثقة بالنفس ، القدرة على التخاطب، وغزر التجربة الانسانية كونك مطلع على معاناة الآخرين..هذا غير مجالسة لحظات الموت والحياة..لحظات الحزن والفرح..لحظات القلق والطمأنينة..
المهم أن المؤمن دائما أمره خير..فهو يحمل الرضا ويرى ميزات ما أختاره الله له..
تحياتي
رائعه ...............أعجبتني هذه الجمله ( ثم أعارك الحياة وأخالط الناس حتى أعلم أن الرجال لا يعرفون بأوطانهم ولا بأبائهم و لا بأشكالهم ولكن بمن هم، بأخلاقهم ، بتواضعهم ، بصدقهم. )...........نعم الحياة تعلمنا ..............
الاسم: فنجان قهوة
